الرئيسية مقالات في الادارة

الهندسة والإدارة

هناك قصة طريفة ومعبّرة توضح أنّ هناك علاقة توتر إلى حدّ ما بين الهندسة والإدارة، هذا التوتر ناتج عن اختلاف المنهج في العمل. القصّة تقول: إنّ رجلاً كان يركب بالوناً هوائياً ولاحظ أنّه قد ضلّ الطريق، فهبط قليلاً حتى اقترب من الأرض. فإذا به يرى سيدةً في الأسفل، فنادى عليها بصوت عالٍ: “أريد أنْ أسألك سؤالا: لقد قطعت وعداً لأحد زملائي بأني سأقابله، وتأخرت عن موعدي ساعة كاملة. وأنا لا أعلم أين أنا، يبدو أنني تهت. فهل يمكنك أنْ تخبريني أين أنا الآن؟” رفعت السيدة رأسها وأجابت: “حسناً. أنت الآن فعليا داخل بالون يعلو عن سطح الأرض 10 أمتار. وجغرافياً أنت بين 40 و 41 درجة شمال عرض، و59 و60 درجة غرب طول.فصاح بها الرجل: “ما هذا الذي تقولينه، فأنا لم أفهم شيئاً.” فأجابت: “انظر إلى المؤشرات الموجودة في البالون وستفهم.” فنظر الرجل، ثم قال لها: “حسنا. هذه الأرقام موجودة بالفعل. هل أنت مهندسة؟” فأجابته: “نعم. كيف عرفت؟  فرد قائلاً : “لأنّ كلّ المعلومات التي أخبرتني بها صحيحة، ولكنّها غير مفيدة. فأنا لا أختبر قدراتك الهندسيّة. إنّما أريد أنْ أعرف أين أنا. أرجوك! ألا تستطيعين الإجابة عن هذا السؤال البسيط، دونما استعراض أو تظاهر بالذكاء؟” نظرت إليه السيدة وقالت: هل أنت مدير؟” فأجابها الرجل: “بالفعل. كيف عرفت؟” قالت: لأنّك لا تعلم أين أنت، ولا إلى أين أنت ذاهب . ولأنّك لم تصل إلى مكانك إلا بفعل قليل من الهواء الساخن، ولأنّك قطعت وعداً على نفسك ولا تعلم كيف ستفي به، ولأنّك تتوقع ممن هم تحتك أنْ يطيعوك ويحلّوا لك مشكلاتك.

على الرغم من أنّ القصّة توجّه انتقادات للهندسة والإدارة في ذات الوقت، وأيضاً على الرغم من أنّ القصّة توضح أنّ هناك سوء فهم متبادل بين الإدارة والهندسة إلا أنّ القصّة في ذات الوقت تصف أنّ هناك دائماً علاقة منفعة متبادلة بين الهندسة والإدارة، وأنّ الاثنين عندما ينسجمان بالقدر الكافي فمن المتوقع أنْ ينتج عن ذلك الانسجام قدر كبير من الإنجاز.

منذ زمن ليس بالبعيد نشأ علم الإدارة في مصنع من المصانع، وكانت نشأته على يد مهندس هو فريدريك تايلور، والذي قام بعدة دراسات في مجال دراسة ” الحركة والزمن” ليتعرف من خلال تلك الدراسات على الحركات المجدية وغير المجدية التي يقوم بها العامل في المصنع، وتوصل إلى أنّ العامل يمكن أنْ يختصر الكثير من الجهد والوقت في عمله إذا تخلّى عن العديد من الحركات التي تشتمل كيفية استخدام الآلات والأدوات وكيفية تحريك الجسم. وبالفعل شكلّت تلك الدراسات طفرة في تقنين مهنة الإدارة وإرساء قواعد لها حتى أنّ المهندس فريدريك تايلور أطلق عليه لقب ” أبو الإدارة “، ولكن المهندس فريدريك تايلور تعامل مع العامل باعتباره آلة وليس بشراً، بمعنى أنّه يمكن برمجته على أداء حركات بعينها دون وضع في الاعتبار العديد من العوامل البيئيّة والشخصيّة التي يمكن أنْ تؤثر في أدائه للعمل. ليأتي بعد ذلك مجموعة من علماء النفس ويضعوا أسس إنسانيّة للإدارة.

بالفعل الهندسة في أمس الحاجة إلى الإدارة، فالمهندس الذي يتبوأ موقع إداري والذي يتعامل بلغة الأرقام الصلبة والجافة بحاجة إلى أن يدرك الأبعاد الإنسانيّة، والنفسيّة، والبيئيّة في الإدارة، والمدير أيضاً بحاجة للعمل بعقلية المهندس، وترجمة إنجازاته وخططه إلى أرقام، واستخدام الطرق الرياضيّة والهندسيّة في العمل مثل بحوث العمليات والبرمجة الخطيّة، فالعلم الحديث يسعى إلى ترجمة الفعال إلى أرقام حتى يسهل قياسها وتقييمها . من هنا تحدّث الكثيرون بشأن تعليم المهندسين علم وفن الإدارة، وتعليم المديرين قواعد الهندسة.

وفي ظل الشد والجذب بين الإدارة والهندسة نشا علم جديد هو علم “الهندرة ” ، والهندرة كلمة عربيّة مركبة من كلمتي (هندسة) و(إدارة) وهي ترجمة للمصطلح الإنجليزي Business Reengineering والمقصود به (إعادة هندسة الأعمال)، وهي تعني إعادة تصميم العمليات بشكل جذري بهدف تحقيق طفرات كبيرة في الأداء.

الحقيقة أنّنا في مواقع عمل كثيرة في أمسّ الحاجة لوجود المهندس المدير، والمدير المهندس، كما أنّنا بحاجة إلى مزيد من الانسجام بين فئة المديرين وفئة المهندسين، هذا الانسجام لن يتأتي إلا من خلال إدارك القيمة الحقيقية التي تقدّمها كلّ مهنة والسعي إلى الوصول إلى لغة مشتركة في التفاهم وتبادل المعلومات لتحقيق أقصى استفادة من تلك القيمة.

 

قد يعجبك أيضًا
العقاريّون الجدد..والفكر الجديد
السعودة أم العولمة…إلى أين المسير؟
مطلوب مدير..!

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الادارةالمديرالموارد البشريةالنجاحترويج و اعلانتسويقريادة أعمالعمل المرأة