الرئيسية مقالات عامة

الحرب المنظمة

شعرت بانزعاج شديد وانأ أتأمل المؤشرات التي أعلنتها منظمة الشفافية العالمية قبل أكثر من شهر, بشأن ترتيب الدول من حيث معدلات الفساد الإداري والحكومي، أتت السعودية في المرتبة 78 من أصل 160 دولة في العالم, وقدرت الخسائر المالية الناتجة الفساد في المملكة بنحو ثلاثة تريليون ريال. وعلى الرغم من أن هناك من يرى أن ترتيب المملكة العربية السعودية جاء متأخر مقارنة بدول أخرى مما يوحي بانخفاض معدلات الفساد في المملكة إلا إنني ضد هذا المنطق قلباً وقالباً. لأن هذا المنطق يقلب الحقائق ويبعث في النفس التراخي واللامبالاة في التعامل مع واحدة من أخطر الظواهر السلبية في العصر الحديث. السؤال هنا يجب أن يكون: هل المملكة كمجتمع وكدولة وكمكانة تستحق أن تصنف كدولة تعاني من الفساد الإداري أو الحكومي؟ بالطبع لا. فنحن مجتمع له قيمه وتقاليده وثقافته الخاصة التي من المفترض أن تجعله بمنأى عن مثل هذه الظواهر التي تضرب المجتمعات في مقتل لأنها تهدر موارده ومكتسباته، وتغيب العدالة بين أركانه، وتخلق حالة من الاحتقان والإحباط بين أفراده. انطلاقا من هذا التصور يجب أن يتعامل الجميع مع هذه الظاهرة بجدية كاملة وبتكاتف كبير. والتعامل الفعال مع هذه المشكلة يتطلب نظرة شاملة وإحاطة بكافة المتغيرات المؤثرة في تفشي تلك الظاهرة، الحقيقة أننا لسنا بحاجة إلى حلول وقتية أو هامشية تتعامل مع أعراض المشكلة وتهمل التركيز على مسبباتها. أن الأمر يتعلق بفساد أشخاص وغياب أنظمة، فساد الأشخاص يحدث نتيجة غياب القيم والمبادئ، بينما غياب الأنظمة يتعلق بغياب الآليات التي تكفل الرقابة الشاملة والفعالة على ممارسات المسئولين والموظفين الحكوميين، الأولى علاجها أصعب كثيراً من الثانية لأنها تتطلب وقتاً طويلا لتغيير القيم السلبية بأخرى ايجابية وبإعادة بناء الشخصية من جديد، وهي مهمة من المفترض أن تضطلع بها أجهزة ومؤسسات عديدة في المجتمع: الأسرة، المدرسة والجامعة، وسائل الإعلام، الجهات الدعوية، من المفترض أن تعمل هذه المؤسسات جميعها في سبيل نشر ثقافة مناهضة للفساد، ثقافة تحض على التمسك بالقيم الإسلامية السامية، وعدم الانجراف في تيار شعاره الغاية تبرر الوسيلة، أيضا من الضروري نشر ثقافة تحض على مقاومة الفساد بكافة الأشكال المشروعة واتخاذ مواقف ايجابية تجاه كل تصرف أو مسلك غير أخلاقي. وبالتأكيد فان تأمل الوسائل والإمكانيات التي تمتلكها تلك الأطراف الفاعلة في المجتمع سيصل بنا إلى الكثير من الأفكار المبدعة والمؤثرة في خلق ونشر تلك الثقافة المرغوبة. ولكن هذا وحده لن يكفي بالتأكيد لمحاربة الفساد، دعونا نفكر بطريقة واقعية، فليست كل الأسر تربي وليست كل الجامعات تعلم، وليست كل البرامج الإعلامية تستهدف تحقيق مصالح المجتمع وتتفاعل بشكل مؤثر مع قضاياه. وسيظل دائما هناك فئة المفسدون في الأرض الذين يتسلمون الراية ويسلمونها في موجات متتالية لا تتوقف. هنا تتضح أهمية الدور الذي تمارسه الأنظمة (قوانين وآليات وممارسات) الموجهة لمحاربة الفساد، فالفساد له مسالكه الخاصة، بل أن الفساد هو في الأساس خبرة يكتسبها الناس نتيجة العلم المتنامي ببواطن الأمور وبالطرق الخلفية المؤدية إلى تحقيق المكاسب غير المشروعة، إنهم يجيدون فن البحث عن الثغرات، وهم يجيدون فن التمويه والتغطية وعقد الصفقات السرية، بل أنهم يجيدون أيضا فن الوصول إلى عملائهم من هواة التعدي على حقوق الآخرين. أنهم بالفعل مثل عصابات المافيا حيث الجريمة المنظمة والتخطيط المحكم. هؤلاء لن يمكن مواجهتهم بأنظمة وقوانين هشة مليئة بالثغرات والفرص السانحة لتحقيق مبتغاهم، دعونا نتأمل طريقة حصول المواطن على الخدمة في كثير من الجهات الخدمية، ودعونا نتأمل العديد من القوانين التي تحكم سير العمل في الكثير من المؤسسات، ودعونا نتأمل العديد من المعايير التي تحكم انتقاء الأفراد والمسئولين في كل مكان، ودعونا نتأمل القوانين والمعايير التي تحكم عمليات الاستثمار والبيع والشراء في كثير من المنشآت الحكومية، ودعونا نتأمل نظم الرقابة على الموظف الحكومي، سنكتشف بكل تأكيد أننا قدمنا وبأيدينا لمحترفي الفساد فرص على طبق من ذهب للتربح عن غير وجه حق. الأنظمة والقوانين المطبقة يجب أن تخرج من واقع العمل بالنسبة للمسئول أو الموظف، وكذلك واقع التعامل بين المسئول أو الموظف والمراجع، يجب أن تتسم هذه القوانين بالمرونة في التعامل مع المواقف المتغيرة ووفي التعامل مع ردود أفعال مافيا الفساد التي لن تتوانى في البحث عن بدائل أو ثغرات جديدة، يجب أن تشتمل الأنظمة على توزيع محدد وواضح للأدوار ما بين الجهات المعنية بمحاربة الفساد، يجب أن تشتمل الأنظمة على عقوبات رادعة لكل من تسول له نفسه بالتكسب غير المشروع بغض النظر عن كبر الجريمة أو صغرها. أيضاً من الضروري للغاية الحصول على مساندة ودعم المواطن لتلك الأنظمة بحيث يكون له دور ملموس في اكتشاف الفساد والتبليغ عنه وسوف يكون من الرائع أن يحفز المواطن على تنمية وتطوير أدائه في محاربة الفساد. أخيراً دعونا نستفيد من تجارب الدول الأخرى في محاربة الفساد. فمن خلال متابعة بعض وسائل الإعلام وبعض الكتابات رصدت تجارب عدة دول في مجال محاربة الفساد. بعض الدول الأوروبية قامت بإضافة البقشيش كنسبة مئوية على فاتورة الطعام حتى تضمن أن يتم تقسيمه على جميع العاملين في المطعم بمن فيهم الطهاة بصورة متساوية. اليابان وضعت نظاماً يقيس الشفافية في المؤسسات الحكومية على أساس النقاط، وحددت أربعة محاور تعطى على أساسها تلك النقاط، وهي جودة المعلومات المتوفرة للجمهور عن المؤسسة، وكمية المعلومات المفصح عنها بالنسبة لميزانية المؤسسة، وشفافية عملية اتخاذ القرار داخل المؤسسة، وأخيراً سهولة حصول الجمهور على معلومات متعلقة بالرسوم والغرامات. ويقوم محققون وضعتهم الحكومة بتسجيل نقاط لكل محور من هذه المحاور، ثم ينشر تقرير في نهاية العام في جميع وسائل الإعلام تصنف فيه المؤسسات الحكومية إلى مراكز بناءً على عدد النقاط التي حصلت عليها. وفي اجتماع سنوي تحضره جميع وسائل الإعلام تتم مناقشة هذا التقرير ومن ثم يمارس المواطن حقه الطبيعي في معرفة الحقائق. وفي تايلاند قامت الحكومة بإنشاء معسكرات شبابية لمكافحة الفساد، حيث يقسم الطلبة المشتركون إلى مجموعات يقودها مختصون من شبكة مكافحة الفساد الحكومية، يجرون خلالها محاضرات وورش عمل للحديث عن الشفافية وأهميتها في المجتمع، ولمناقشة مفاهيم جديدة كتضارب المصالح وما هي آثار الفساد على الحكومة والاقتصاد، وكيف يستطيع هؤلاء الشباب الذين سيكون منهم قادة في القطاع الحكومي أن يفرقوا بين العادات الشرقية، كالعطايا ومحاباة الأقارب ومساعدة الصديق، وبين مظاهر الفساد. نحن بالفعل بحاجة إلى شن حرب منظمة على مافيا الفساد الحكومي لأن الارتجالية والعشوائية لن تفيد في التعامل مع فئة تدرك جيداً ماذا تريد وكيف تصل إلى ما تريده.

قد يعجبك أيضًا
العادات السيئة للموظفين .. كيف تغيرها ؟
الراقصون على دماء غزة..!
أنت المسؤول..!

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الادارةالمديرالموارد البشريةالنجاحترويج و اعلانتسويقريادة أعمالعمل المرأة