الرئيسية مقالات عامة

محاكمنا الموقّرة…. بين الواقع والمأمول

في حياتنا العامة هناك أماكن لا نشعر بالسعادة عندما نرتادها، بل ندخلها ونحن مجبرون على دخولها. والمحاكم تصنّف ضمن هذه الأماكن، لأنّها تشهد نزاعات وصراعات، ويلقى فيها الإنسان قدراً كبيراً من الضغوط النفسية. وفي أروقة محاكمنا على وجه التحديد، فالأمر يتعدّى مجرد الضغوط والأجواء غير المرغوبة، ليشتمل على مجموعة من الممارسات والسياسات تجعل المواطن يفكر ألف مرة قبل الدخول في نزاع قضائي مع الآخرين، بل ربما يتنازل عن حقّ من حقوقه في مقابل أنْ يتجنّب الذهاب إلى تلك المحاكم. المتردد على هذه المحاكم عادة ما يصطدم بعدد من المشكلات تزيد عليه حدّة الضغوط، وتجعله في موقف لا يحسد عليه. هذه المشكلات في الواقع ناتجة عن قصور واضح في السياسات والإجراءات الإداريّة المتّبعة في هذا المكان. ومن خلال رصد بعض شكاوى المواطنين يتّضح أنّ هناك تأخيراً وتباطؤاً في إنجاز الأعمال، هناك أسلوب في التعامل لا يتلاءم مع المواقف الصعبة التي يعيشونها ويترددون من أجلها على المحاكم، هناك إجراءات عمل معقّدة، هناك تأخير في بداية الدوام،…الخ. الحقيقة أنّنا في أمسّ الحاجة الآن إلى إحداث تطوير في هذا القطاع الحيويّ، تطوير يتوافق مع التطورات والتغيرات التي تحدث في كثير من قطاعات الدولة مسايرة لمعطيات جديدة يعيشها العالم بصفة عامة والمجتمع السعوديّ بصفة خاصة. وفي سعينا للتحديث والتطوير ليس عيباً أن نستفيد من تجارب الآخرين، خاصة إذا كان الآخرون هؤلاء هم أشقاء لنا. أنا أدعو القائمين على المحاكم السعوديّة إلى تنظيم رحلة جماعيّة لزيارة المحاكم في دبي على وجه التحديد ليروا نموذجاً جديراً بالتأمل والدراسة ، وهناك سيشعرون بصدمة بكلّ تأكيد؛ لأنّهم سوف يدركون أنّنا في القرن الحادي والعشرين بكلّ إبداعاته وتطوّراته. في دبي سيجدون محاكم تنهض برسالة واضحة ومحددة مفادها “السعي إلى تحقيق العدالة في المجتمع من خلال الدّقة والسرعة في الفصل في الدعاوى، وتنفيذ الأحكام والمحررات بالاعتماد على كوادر وطنية مؤهلة، ونظم وإجراءات وتقنيات حديثة ومتطوّرة.” وسيجدون محاكم تسعى إلى تطبيق مفاهيم إداريّة حديثة ومتطوّرة تركّز على خدمة العملاء وتحقيق رضاهم، وتنمية الموارد، وتبسيط الإجراءات، وتوثيق الأنظمة، وتشجيع الإبداع. في محاكم دبي هناك جوائز تشجيعيّة للموظّفين تشمل التفوق الإداري والوظيفي،  وهناك اهتمام بتدريب كلّ العاملين في المحاكم على أحدث المفاهيم الإداريّة، مثل العمل بروح الفريق، الموضوعيّة في تقييم أداء المرؤوسين، المقارنة المرجعيّة لتطبيق إستراتيجية التميّز المؤسسي، مؤشرات قياس الأداء وفق نموذج بطاقة الأداء المتوازن، تبسيط إجراءات العمل، مهارات التفكير وحل المشكلات، التميّز في خدمة العملاء، إضافة إلى أنّه مطلوب من جميع الموظّفين الحصول على رخصة قيادة الحاسب الألي.  في محاكم دبي هناك خدمة جماهيرية هي الـ «Call Centre» أو «مركز الاتصال» الذي يوفّر على الجمهور الوقت والجهد من خلال تقديم كلّ الخدمات والإجابة على جميع الاستفسارات بالهاتف،  ومن بين الخدمات التي يقدّمها هذا المركز القيام بإرسال رسالة نصية قصيرة إلى كلّ طرف في القضايا المنظورة أمام محاكم دبي تعلمه بموعد الجلسات قبل يومٍ من انعقادها. كذلك بدأت محاكم دبي تلقي الاقتراحات والشكاوى من خلال موقع المحاكم على الانترنت من العاملين و المتعاملين من خلال برنامج سمّته ”مصابيح“, حيث يتم إرسال لكلّ مشارك في البرنامج رسالة شكر فور تقديم الاقتراح أو الشكوى بصورة آليّة، وبعد ذلك يتم التعامل الجاد مع كلّ اقتراح أو شكوى.. وهناك  جوائز فوريّة للاقتراحات المقبولة تسلّم للمقترح خلال ثلاثة أيام من تاريخ قبول الاقتراح. أيضاً بدأت محاكم دبي تنفيذ مشروع الجلسات القضائيّة الإلكترونية حيث يستغني أمين السر في جلسات المحاكمة عن استخدام الورقة والقلم، ويقوم بتدوين كافة الملاحظات وأقوال الشهود للقضيّة عبر برنامج كمبيوتر خاص تمّ إعداده لهذا الغرض. كذلك كلّ  الأعمال الإداريّة والقضائيّة الداخليّة تدار  بشكل كامل من الألف إلى الياء إلكترونيّاً 100%. أيضاً هناك مجموعة كبيرة من الخدمات الإلكترونيّة لعملاء محاكم دبي  يمكن تنفيذها عبر شبكة الإنترنت، على سبيل المثال هناك خدمة البحث عن أي من التشريعات في الدولة عن طريق الموضوع أو العنوان، كذلك  يستطيع أي طرف في القضية ومن خلال تحديد نوع وسنة ورقم القضيّة الضغط على مفتاح ” استفسر”، وسيشاهد المشترك بيانات قضيته التي تتضمن ملخص القرارات الصادرة، ونتائج تنفيذ القرارات، والإعلانات ونتائجها، ومكان ملف القضيّة، ووضعيتها، وسبب تأجيلها، وتاريخ الجلسة المقبلة، أو تاريخ الحكم ونصه كاملاً ، إذا كانت قد حكمت. أيضاً من خلال هذه الخدمة يمكن للمشترك مشاهدة جدول جلسات قضاياه التي هو طرف فيها أياً كان نوعها، وفي أي درجة كانت: الابتدائية، أو الاستئناف، أو التمييز، مرتّبة حسب تاريخ الجلسة ، و يظهر له بالجدول تاريخ الجلسة، ويوم انعقادها، ورقم القاعة، والدائرة القضائية التي تنظرها، ورقم ووضعيّة كلّ قضيّة وسبب تأجيلها، ودور كلّ قضيّة بالجلسة مع إمكانيّة النقر على أي منها للحصول على معلومات تفصيليّة عن كلّ قضيّة كما لو أنه استفسر برقم القضيّة. كما يمكن للطرف الاستعلام عن أرصدة القضية والمبالغ الموردة  بالنسبة لقضايا التنفيذ. أيضاً هناك خدمة تسجيل طلبات الزواج والشهادات إلكترونيّاً، وكذلك  نظام التقدّم لطلب التوظّف إلكترونيّاً. ليس هذا فقط بل أنّهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك بكثير، هناك رصدوا أنّ الشخص عندما يتردد على المحكمة دائماً ما تكتنفه مشاعر التوتر والقلق، ولذا فقد تم تصميم مباني وأروقة المحاكم الجديدة بحيث تقلل من توتر وقلق مرتاديها، وزودوها بخدمات تشعر الإنسان بأنّه يتواجد في مركز تجاري وليس في محكمة، على سبيل المثال  صالة الخدمات تضم صالة انتظار بالإضافة للخدمات البنكيّة، ومكتب سفريّات، ومكاتب أخرى للترجمة القانونيّة، والتصوير والطباعة، كما يضم كافتيريا، وخدمات الإنترنت، ومكتبة، وخدمة استعلامات المحاكم الإلكترونيّة.

ربما يثير هذا الحديث إحباطاً لدى الكثيرين، ولكن عزاؤنا أنّه يمكن أنْ يحرّك ساكناً؛ مؤكّدين أيضاً أنّنا لا ننتقص من شأن محاكمنا أو من شأن القائمين عليها، ولكنّنا نمارس رسالتنا الإعلامية في إلقاء الضوء على قضايا إداريّة هامة، ونرجو أن تكون هذه القضية هي أم القضايا في محاكمنا الموقّرة.

قد يعجبك أيضًا
سنة أولى جامعة..!
ملتقى قسم النظم.. كلاكيت مرة أخرى..!
جامعاتنا ليست حلم المتفوقين..!

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الادارةالمديرالموارد البشريةالنجاحترويج و اعلانتسويقريادة أعمالعمل المرأة