الرئيسية مقالات عامة

رأي في استطلاع للرأي

نشرت جريدة «الاقتصادية» على موقعها الإلكتروني استطلاعاً للرأي بشأن الحد من أعداد الوافدين في المملكة، وكان السؤال الرئيس للاستطلاع هو: هل تؤيد تقييد سنوات إقامة الوافدين للعمل في السعودية؟ وجاءت الآراء والانطباعات صادمة ومتطرفة إلى حد كبير ضد الإخوة الوافدين. الحقيقة أن هناك إشكالية خطيرة جدا لم نهتم بالتعامل معها على الإطلاق, وهي إشكالية العلاقة الإنسانية بين المواطن والمقيم. أهملنا تماماً بقصد أو بغير قصد دراسة جوانب تلك العلاقة وتطورها بتطور الزمن والظروف. 

ركزنا على بناء الأنظمة وسن القوانين التي تنظم حياة كل طرف على حدة (تماماً مثل التركيز في مؤسساتنا الخدمية على شباك لخدمة المواطن وشباك آخر لخدمة المقيم) ولم نركز على بناء القيم والسلوكيات التي تنظم علاقة الطرفين بعضهما ببعض على الرغم من أنهما يعيشان في أرض واحدة وتحت سماء واحدة؛ والنتيجة علاقات مشروخة وشائكة وقابلة للاشتعال بانطلاق شرارة صغيرة من هنا أو هناك، تلك العلاقات المشروخة نتاج تفكير منقوص ورؤية معتمة. فمن جهة المواطن ينظر إلى المقيم نظرة صاحب البيت للغريب المتطفل الذي أجبر على استضافته وطلب مساعدته في شؤون البيت، بينما ينظر الغريب إلى صاحب البيت باعتباره السيد الذي أجبر على خدمته. صاحب البيت يحسب على الغريب سكناته وحركاته ويطلب منه أن يتناول وجبة واحدة في اليوم لا أكثر.. وأن يكتفي بشرب الماء ولا داعي للقهوة أو الشاي .. وألا ينام أكثر من خمس ساعات في اليوم وعلى الأرض, وأن يتحمل مسؤولية أي تلف أو ضياع في محتويات البيت.

في المقابل الغريب ينسى أنه غريب, وأن صاحب البيت هو صاحب البيت، فهو يلعن في داخله صاحب البيت ويرى في الحدود الموضوعة انتقاصاً من حريته وآدميته ومن ثم يفكر في الهروب أو الحصول على ما يبرر تحمل تلك القيود بالطرق المشروعة وغير المشروعة أحياناً؛ ويقوم بنشر صورة سلبية وقاتمة عن صاحب البيت أينما حل وارتحل. ويظل الحال على ما هو عليه استنزافا للطاقات في خلافات وصراعات وكر وفر، والطرفان غير قادرين وغير راغبين في حسم الأمور، صاحب البيت ما زال في حاجة إلى المساعدة, والغريب يخشى الخروج إلى واقع غير مأمون.. والاثنان يرفعان لافتة مكتوبا عليها «لا أطيقه .. لا أتحمله .. لكن لا أستطيع الاستغناء عنه», حالة غريبة ونحن الآن نعيش في الألفية الثالثة التي تحكمها قاعدة «دعه يعمل .. دعه يمر» بل إن تسهيل الانتقال والعمل خارج حدود الوطن يتوافق مع الآية الكريمة «فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه».

كان يجب أن ندرك أن استغناء صاحب البيت عن الغريب أو الغريب عن صاحب البيت غير وارد في هذا الزمان؛ كان يجب أن ندرك أن أحد أسباب نمو وتقدم عديد من المجتمعات هو تشجيع الوافدين على الاندماج في تلك المجتمعات وتهيئة المناخ لتقديم أفضل ما لديهم، كان يجب أن ندرك أن الأعظم تأثيراً من السعودة هو التنمية الشاملة وما ينتج عنها من مشاريع وصناعات وأنشطة تسع الجميع مواطنين ومقيمين. كان يجب منذ زمن طويل أن تعمل مؤسسات المجتمع الرسمية والإعلامية والدينية على بناء وتشكيل علاقة متميزة بين المواطن والمقيم. هل شاهدنا إعلاناً واحداً في وسيلة إعلامية يتعرض للعلاقة بين المواطن والمقيم وأهمية أن يسودها الاحترام المتبادل والأخوة والمودة؟ هل شاهدنا في إعلامنا وصحفنا نماذج لمواقف إنسانية جميلة بين مواطن ومقيم؟ هل سمعنا خطبا في مساجدنا تتناول تحديداً العلاقة بين المواطن والمقيم والقيم الدينية المؤثرة في تلك العلاقة؟ هل شاهدنا أحد قادة الرأي في مجتمعنا وهو يتحدث عن أهمية بناء علاقة راقية وفاعلة بين المواطن والمقيم؟ هل تحدثنا في مدارسنا وجامعاتنا عن ثقافة التعامل بين المواطن والمقيم؟ هل قمنا بسن قوانين جديدة تتعامل مع تصاعد العنف المادي والمعنوي المتصاعد بين المواطنين والمقيمين؟ هل قمنا بمراجعة قوانين وأنظمة تسببت في زيادة المسافة الفاصلة بين المواطن والمقيم؟ هل قمنا بتكثيف برامج التوعية الموجَّهة لكل طرف والداعية إلى احترام الطرف الآخر وتعزيز البعد الإنساني والأخلاقي في العلاقة بينهما؟

في هذا المقام لا أتحدث عن اندماج كامل, فلكل مجتمع ظروفه وثوابته ومعتقداته، لكن أتحدث عن صياغة علاقة سوية وفاعلة تتيح لكل طرف تقديم أفضل ما لديه, بما يحقق في النهاية مصلحة المجتمع ويدعمه في استثمار موارده البشرية من مواطنين ومقيمين على حد سواء.

قد يعجبك أيضًا
مراكز خدمة المجتمع بالجامعات .. الحاضر الغائب!!
إلى زميلي في العمل العزيز
عزيزي المدير .. فوض صلاحياتك

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الادارةالمديرالموارد البشريةالنجاحترويج و اعلانتسويقريادة أعمالعمل المرأة