الرئيسية مقالات في الادارة

الخلافة في الشركات العائلية

يقصد بالشركات العائلية تلك التي يعمل فيها ويملكها شخصان أو أكثر بينهما صلة قرابة. وتعتبر الشركات العائلية من أهم القطاعات المؤثرة في اقتصاد  الدول، حيث إن كثيرا من الشركات العاملة هي شركات عائلية. فمثلا في دولة مثل أمريكا تمثل الشركات العائلية أكثر من 90% من شركات الأعمال، وفي كندا تصل إلى قرابة 65% وفي بريطانيا أكثر من 75% من الشركات هي شركات عائلية. ومع أنه لا توجد إحصائية دقيقة – حسب معرفتي- عن الشركات العائلية في المملكة إلا أنه من المتوقع ألا تقل النسبة عن 70% من الشركات العاملة في المملكة هي شركات عائلية، بل إن أكثر الشركات الكبيرة والمساهمة في المملكة هي في الأصل وتاريخ الميلاد كانت شركات عائلية. ويكفي أن تنظر إلى الشركات والمؤسسات التي يكتب في نهاية اسمها “وأولاده” “وإخوانه” … لتعرف حجم هذه الشركات في قطاع الأعمال.

في المجتمع السعودي يُنظر للشركات العائلية على أنها أحيانا علامة على تماسك العائلة الاجتماعي، ومظهر من مظاهر التقارب والتآلف والولاء الموجود في العائلة، إضافة إلى أنها وسيلة لبناء سمعة وحضور لاسم العائلة في مجتمع يعطي لاسم القبيلة والأسرة مكانة وتقديرا. لذا يعتبر البعض أن المطالبة بانفصال المشاركة العائلية نوع من العقوق، ودليل على  الطمع وحب الذات، وخذلان لجهود المؤسسين السابقين لهذا لعمل العائلي.

يغلب على الشركات العائلية كونها صغيرة الحجم، وهو أمر طبيعي لمحدودية الموارد والإمكانيات، ولكن هذا لا يمنع أن يكون هناك شركات كبيرة ومؤسسات عملاقة تقع في دائرة الشركات العائلية، لذلك لا يستغرب مثلا أن 35% من أكبر 500 شركة في أمريكا هي شركات عائلية. ميزة أخرى تميز الشركات العائلية أن عمرها في الغالب  قصير وهو لا يتعدى ثلاثة أجيال من أجيال العائلة. الجيل الأول هو الذي يصنع هذه المؤسسات بجده وعرقه وتعبه. والجيل الثاني هو الذي ينفق ما جمعه الجيل الأول، والجيل الثالث هو الذي يتولى عملية دفن هذه الشركات في مقابر الإفلاس والخسارة والديون. لذلك فإن الدراسات الغربية تذكر أن نسبة المؤسسات التي تبقى حتى الجيل الثاني قرابة 30%، أما التي تبقى حتى الجيل الثالث فلا تتجاوز نسبتها 12%، و3% فقط من الشركات العائلية تبقى حتى الجيل الرابع.

من أهم ما يميز الشركات العائلية كذلك أنها تعتبر شركات تحكمها الاعتبارات العاطفية والقرارات غير الاقتصادية، وتلعب فيها مصادر القوة والنفوذ وأحيانا منطق المجاملة والتساهل دوراً في صناعة القرارات وطريقة سير العمل.

تعتبر مسألة الخلافة وقضية من يكون في رأس الشركة بعد ذهاب المؤسس الأول من أخطر المشاكل التي تواجه الشركات العائلية، وذلك لأن الفشل في التجهيز لهذه المسألة قد يؤدي إلى تدمير مستقبل الشركة وتمزيق العلاقات العائلية بين الأقارب المالكين لهذه الشركة. والواقع يشهد أن من أهم أسباب الصراعات التي تقع داخل الشركات العائلية، والتي لا يمكن حسمها بشكل نهائي، هو إهمال أصحاب الشركات العائلية القيام بالخطوات اللازمة لمواجهة الأحداث المستقبلية المؤكدة من ترك العمل بسبب الموت أو العجز. فيخيل لصاحب الشركة أنه سيعيش إلى الأبد، ويترك مسألة الخلافة وتوزيع الأدوار والمناصب بين أفراد العائلة دون حوار أو اتفاق، ودون رسم أطر وسياسات وقوانين تحدد طبيعة وطريقة العمل في تلك الشركات. فما أن يذهب كبير العائلة ومؤسس المشروع إلا ويبدأ الصراع والنزاع بين الأخوة والأقارب، فهذا يريد أن يحصل على منصب لا يستحقه بسبب أنه هو الأكبر بعام أو عامين، وآخر ما أن يدخل إلى الشركة حتى يحدد لنفسه المركز الذي يريد دون اعتبار للذين يعملون في الشركة منذ طفولتهم. الشاهد أن من أصعب المسائل التي تواجه الشركات العائلية هي مسألة الخلافة لذلك كان لابد من تناول هذه المسألة بالتخطيط الهادئ والصراحة التامة والحوار المتفهم.

إن من أفضل الحلول لعلاج مسألة الخلافة في الشركات العائلية بنظري هو التخطيط لنجاح واستمرار الشركة العائلية من قبل مؤسس الشركة ما دام أنه على قيد الحياة وعلى رأس العمل. بمعنى أن تكون لدى مؤسس المشروع نظرة مستقبلية واستشراف للغد بما يحمل من تحديات ومشاكل وتطلعات، وإعداد وتجهيز لكل التوقعات المحتملة. ولا شك أن هذه العملية صعبة ومعقدة وتحتاج إلى قرارات هامة حول الأحداث المستقبلية، وكيف يتم التصرف في حالة الوفاة أو العجز عن العمل، وما هي الأدوار التي سيلعبها كل ابن أو طرف من أطراف العائلة في الشركة. كل هذه القرارات ينبغي أن تتخذ في حوار عائلي يسوده الحب والوئام والرغبة في بقاء اسم العائلة أو اسم مؤسس العمل العائلي في السوق، والبعد عن المنازعات والصراعات والدخول في حلبات الملاكمة والتلاسن في أروقة ديوان المظالم وبين قاعات المحاكم والتي لا يستفيد منها إلا المحاميين والممثلين المندوبين عن كل طرف في الحصول على قضايا ينتفعون منها. وقد أعجبني أحد كبار رجال الأعمال هنا في المملكة وهو الذي يملك عشرات الشركات والمصانع والمؤسسات ولديه مجموعة مباركة من الأبناء من أكثر من زوجة ، فما كان من هذا اللبيب إلا أن عهد إلى إحدى الشركات المحاسبية بتنظيم وترتيب كل ما يتعلق بقضايا تلك الشركات ووضع دستور ونظام يحكم أدق التفاصيل لوضع شركاته بعد رحيله.

هذا العلاج هو علاج وقائي بالدرجة الأولى، أما إذا حدث هناك نزاع بين أفراد العائلة حول إدارة الشركة بعد وفاة المؤسس، وأصبح هناك اختلاف في توزيع المناصب ومنْ يرأس منْ، ولم يمكن الوصول إلى أي حل أو اتفاق يرضي الجميع، فيمكن في هذه الحالة اللجوء إلى حل مناسب أرى أنه – على بساطته-  يستحق التفكير فيه. هذا الحل يقوم على إسناد عملية إدارة الشركة إلى فرد أو مجموعة من الأفراد خارج دائرة العائلة، بحيث يُحرص على أن يكونوا من الأشخاص أصحاب الكفاءة العالية والخبرة العريقة في إدارة هذا النوع من الشركات. وتكون مهمة هذا القائد أو تلك المجموعة هو إدارة هذه الشركة بكل فاعلية واقتدار مع وضع معايير رقابية لمتابعة عمل هذه الإدارة. يتم أيضا إنشاء مجلس إدارة يشارك فيه كل الأبناء والأطراف، بحيث يجتمع هذا المجلس كل ثلاثة شهور مثلاً لمناقشة وضع الشركة والنظر في تقارير الأداء والرقابة. فيتيح هذا المجلس لكل عضو من أعضاء العائلة متابعة أداء الشركة، والإطلاع أولا بأول على التطورات ومجريات الأعمال في الشركة.

أنا على يقين أن الأمور في الشركات العائلية أعقد وأصعب من هذا العرض المبسط، وتعدد المشاكل والصعوبات التي تواجه الشركات العائلية أكبر من أن تعالجها هذه الكلمات، لذلك أجدها فرصة مناسبة لتوجيه دعوة كريمة للغرف التجارية وللجامعات في المملكة لأخذ زمام المبادرة وعقد أكثر من مؤتمر ولقاء حول الشركات العائلية والمشاكل والتحديات التي تواجهها وكيفية الارتقاء بمستوى أداء هذه الشركات.

قد يعجبك أيضًا
لا عزاء لشركة ياهو..!
العمالة الأجنبية.. قُضي الأمر الذي فيه تستفيان..!
محاكمة التسويق

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الادارةالمديرالموارد البشريةالنجاحترويج و اعلانتسويقريادة أعمالعمل المرأة