الرئيسية مقالات في الادارة

الجودة في مؤسساتنا.. أطنان من الورق !!

لم يحظ مفهوم أو أسلوب بالاهتمام (المزيف والمشوه)  في مؤسساتنا العربية خلال العشرين سنة الأخيرة مثل مفهوم الجودة، وخلال هذه السنوات أصبحت كلمة (الأيزو) هي الكلمة المستخدمة عن عمد لإثارة اهتمام الآخرين أو جذبهم أو بمعنى أدق خداعهم، وتحولت شهادة الأيزو من دليل للاعتماد والثقة إلى (برواز) معلق على الحائط  يؤدي دوره المطلوب في عملية الجذب أو الخداع. عندما توصل الباحثون منذ سنوات طويلة الى أسس ومبادئ الجودة كان الهدف هو تحقق أعلى معدلات الاتقان في العمل وتخفيض العيوب وتقديم منتجات تشبع احتياجات المستهلكين وتبنت الشركات الكبيرة في اليابان والولايات المتحدة الأمريكية هذه المبادئ لتعظم من قدراتها التنافسية، وانتقل الاهتمام بأنظمة الجودة من قطاع السلع إلى قطاع الخدمات ومن القطاع الخاص الى القطاع الحكومي ليتحدث العالم كله بلغته

لو كانت شهادات الجودة والاعتماد المعلقة على الحوائط في كثير من مؤسساتنا الخاصة والرسمية تعبر بالفعل وبالواقع عن الكفاءة والتميز والإتقان لكان حالنا الآن غير الحال ولكن لأنها مجرد شهادات تعتلي أطنانا من الورق لم يتغير حالنا وربما صار أسوأ وأسوأ

الجودة، وكان من الطبيعي أن تصل (حمى) الجودة إلينا في العالم العربي، ولأننا مبدعون في تشويه الأشياء وتطويعها لتتناسب مع ثقافاتنا وقيمنا السلبية التي تركز على الاستهلاك أكثر بكثير مما تركز على الانتاج ولأننا مغرمون بالتقليد ونفر من الإبداع فرار المجذوم من الأسد نظرنا للمظهر وأهملنا الجوهر وتعاملنا مع الجودة وأنظمتها باعتبارها مسلك للتفاخر والتباهي وتحقيق مزيد من المنافع الشخصية والمادية. لم نتعامل مع الجودة وأنظمتها باعتبارها قضية  مصيرية تلزمنا بالسعي الدؤوب لتحسين أدائنا ومخرجاتنا في كل القطاعات. لم نتعامل مع الجودة باعتبار أنها قيمة عظيمة يحثنا عليها ديننا الحنيف (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، لم نتعامل مع الجودة وأنظمتها باعتبارها فرصة ثمينة لصناعة حلول فعالة لمشكلاتنا في مؤسساتنا وفي مجتمعنا بصفة عامة.  لم نتعامل مع الجودة وأنظمتها باعتبارها فرصة لاستنفار الطاقات والقدرات واخراج أفضل ما لدينا.  تحولت الجودة في مؤسساتنا الى (أطنان) من الأوراق والنماذج المتداولة بين الادارات والأفراد، وتحولت حلقات التدريب على الجودة إلى فرص للترفيه والبعد عن ضغوط العمل. لم تتوافر لدى الادارة العليا في مؤسساتنا القناعة بحتمية التغيير والتطوير ومن ثم لم تستطع اقناع العاملين في الادارات الوسطى والتنفيذية بفلسفة الجودة وأهميتها وتأثيرها على الفرد والمؤسسة والمجتمع. لم يعد مهماً (ولكم يكن مهماً) أن يرتفع مستوى الأداء أو ينخفض المهم أن النماذج يتم استيفاؤها ، لم يعد مهماً (ولم يكن مهماً) أن يغير الموظف ثقافته ويطورها ولكن المهم أن يلتزم الموظف باستكمال الإجراءات المطلوبة في ملفات الجودة. لم يعد مهماً (ولم يكن مهماً) أن نثبت للعالم أننا قادرون على التفوق وعلى التميز وعلى تطوير واثراء أنظمة صدروها إلينا ولكن المهم أن نحصل منهم على شهادة أو اعتماد بأننا نطبق معايير الجودة. لو كانت شهادات الجودة والاعتماد المعلقة على الحوائط في كثير من مؤسساتنا الخاصة والرسمية تعبر بالفعل وبالواقع عن الكفاءة والتميز والإتقان لكان حالنا الآن غير الحال ولكن لأنها مجرد شهادات تعتلي أطنانا من الورق لم يتغير حالنا وربما صار أسوأ وأسوأ.

قد يعجبك أيضًا
الشدائد تصنع الرجال
شلة المدير..!
سمو الأمير : من هنا الطريق إلى قلوب أهل الشرقية (2)

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الادارةالمديرالموارد البشريةالنجاحترويج و اعلانتسويقريادة أعمالعمل المرأة