الرئيسية مقالات في الادارة

أرجوك سامحني..!

قدم لنا القرآن الكريم بتعبير بالغ الجمال حكمة عظيمة الشأن في الآية التي قال فيها الخالق عز وجل، ” ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم ” والحكمة تقول أنك عندما تتخلى عن مبدأ التعامل بالمثل في علاقاتك مع الآخرين تستطيع أن تحول الأعداء إلى أصدقاء يشدون أزرك ويساندونك. وقد تجسدت هذه الحكمة في واحد من أعظم المواقف التي شهدتها الإنسانية على مر العصور، عندما وقف الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة وخاطب أهل الكفر الذين آذوه وأخرجوه منها، قال لهم ماذا تظنوني فاعلاً بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم!، فقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. عزيزي القارئ إنها فضيلة التسامح، تلك الفضيلة التي لم يعد لها تواجد واضح في هذا العصر. فضيلة غابت وغاب معها أحد الأسس عظيمة الشأن في بناء العلاقات الوطيدة والايجابية بين الناس. وإذا كنا في أمس الحاجة الآن إلى إعادة اكتشاف هذه الفضيلة من جديد ومن ثم ترسيخ مبادئها في كافة جوانب حياتنا، فان نشر وتدعيم هذه الفضيلة في مكان العمل على وجه التحديد يشكل أحد أهم هذه الجوانب، نظراً لأن بيئة العمل تتسم بالتعقيد الشديد، والتفاعل المستمر بين العاملين (موظفين ورؤساء)، وتتسم أيضاً بعدم وجود صلات قرابة أو علاقات شخصية قوية بين العاملين تحض على التسامح بطريقة تلقائية. هذه السمات تخلق في مكان العمل مواقف كثيرة تحدث بين العاملين في المكان. هناك أخطاء قد يرتكبها الموظف في حق زميله، أو يرتكبها الموظف في حق رئيسه، أو يرتكبها الرئيس في حق مرؤوسه، الخطأ قد يكون بقصد أو غير قصد، ولكن النتيجة أن هناك طرف يشعر بأن الطرف الآخر تجنى عليه، ومن ثم يبدأ الشيطان في ممارسة عمله المعتاد، لتتولد لدى المجني عليه رغبة في الانتقام، يتكرر الموقف كل يوم، وكل يوم تختفي علاقة بناء وتولد علاقة هدم، ليتحول مكان العمل بالتدريج إلى ساحة للتربص وتدبير المكائد. وبخلاف المناخ السيئ والذي ينتج عن غياب فضيلة التسامح في بيئة العمل، هناك تداعيات أخرى تؤثر سلباً على أداء العاملين في المؤسسة. فالشخص الذي يرفض التسامح إزاء تصرفات الآخرين ينشغل ذهنه دوماً بالمواقف والسلوكيات التي بدرت منهم تجاهه، وبدلاً من أن يركز تفكيره في العمل يركز تفكيره في رد الفعل الذي سينتهجه في التعامل مع من أخطأ في حقه، وبدلاً من أن يركز في الحاضر والمستقبل يركز فيما حدث في الماضي، وبدلاً من يسعى إلى تدعيم اتصالاته مع الآخرين بهدف تنفيذ المهام الموكلة منه على أكمل وجه تجده يسعى إلى تقليص اتصالاته حتى لا يضطر للتفاعل مع الآخر، وبدلاً من يسعى التي تقديم النصح والمشورة لزملائه في العمل تجده يتحين الفرصة لإظهار أخطائهم. والنتيجة المنطقية لكل هذا هو انخفاض الإنتاجية وتدني جودة المخرجات، ليتحمل عملاء المؤسسة ضريبة عدم تسامح العاملين في المؤسسة مع بعضهم البعض، وفي نهاية المطاف تدفع المؤسسة ثمن كل هذا غالياً. للأسف الشديد فان انتشار قناعات خاطئة بين الأفراد بشأن مفهوم التسامح هو الذي ساهم بشكل مباشر في عدم ترسيخ هذه الفضيلة في علاقاتنا مع بعضنا البعض، فنحن نظن أننا عندما نتسامح مع الآخرين فإننا نعطيهم تصريحاً بأن يكرروا ما فعلوه مرة أخرى وبالطبع الآخرون يظنون ذلك. ونحن نظن أن التسامح ضعف وهروب واستسلام وانسحاب وعدم قدرة على رد الفعل الذي صدر من الآخرين، والآخرون يظنون ذلك أيضاً. بالإضافة إلى هذه القناعات الخاطئة فإننا في كثير من الأحيان ننسى أو نتناسى الجوانب الايجابية في شخصية الآخر وفي سلوكياته تجاهنا، ومن ثم نسير في اتجاه آخر بعيداً عن اتجاه التماس العذر أو العفو عما بدر منه في حقنا. عزيزي القارئ في مكان العمل أو بعيداً عن مكان العمل أرجوك تخلى عن هذه المعتقدات، ركز على محاسن الآخر أكثر مما تركز على مساوئه، لا تتيح لنفسك مساحة يتسلل منها بغضك للآخر، عندما يسيء لك زميل أو عزيز فسارع إلى مصارحته بأنك تأذيت وصدمت ولكنك في ذات الوقت لا تريد أن تخسره بل تريد أن تكسبه صديقاً وأخاً لأنه أهلاً لذلك، وأخيراً لا تترد في أن تمد إليه يدك وتعانقه بحرارة عندما يقول لك “أرجوك سامحني”.

قد يعجبك أيضًا
روح المنافسة..الفلسفة الغائبة
التسويق في العيد
سياحة المؤتمرات….السياحة على طريقتنا الخاصة

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الادارةالمديرالموارد البشريةالنجاحترويج و اعلانتسويقريادة أعمالعمل المرأة