الرئيسية مقالات عامة

الطريق إلى جزر البندقية

بعد أنْ كانت المراكب تسير بسرعة متّجهةً نحو جزر البندقية، وتحمل على ظهورها أَناسيّ يحلمون بالوصول إلى الجزيرة الموعودة، فجأةً علت الأمواج بشدة وتحوّلت البسمات والضحكات إلى صراخ، وعويل، وانتحاب، فالحُلم يبدو أنّه تحول إلى كابوس لا يرحم. ما يحدث في جزر البندقية حدث ومازال يحدث في جزر الأسهم والمعاملات الماليّة، ويبدو في كلّ مرّة أنّ المبحرين في هذه الأسواق يفقدون وبفعل فاعل مجاديفهم، ويفقدون السيطرة على مراكبهم في وسط الأمواج قبل أنْ يصلوا إلى غايتهم. يجب أنْ نعترف جميعاً بأنْ أسواقنا الاقتصاديّة تواجه أزماتٍ متلاحقة تعصف بطموحاتنا في مرحلة من المفترض أنّها تشهد طفرة اقتصاديّة لم تحدث من قبلُ. ولكن يبدو أنّنا ندير أسواقنا ونتعامل فيها بالفطرة، أو بالبركة، أو بأي شيء آخر عدا النظام. لم نعد قادرين على السيطرة على أسواقنا، وبدلاً من أنْ تتحقق أهدافنا في التطوير الاقتصاديّ، وإتاحة المزيد من الفرص للاستثمارات النافعة، أصبحنا كلّ يوم نعيش أزمات جديدة لتتسرب أموالنا وطموحاتنا من بين أيدينا وبأيدينا. ما يحدث الآن هو بالفعل انهيار لأسواق ومشروعات كان من المفترض أنْ تكون أسواقاً ومشروعات واعدة تقود اقتصادنا نحو الطريق السليم. والسؤال المنطقي هنا هو: من المسئول عن حدوث أزمات تعصف بأسواقنا ومقدّراتنا؟ لن أذكر في هذا المقام أسباب متعددة ولكن سأذكر سبباً واحداً أرى أنّه الذي يقف متربّصاً بكلّ طموحاتنا في تطوير أسواقنا وتنميتها. إنّه غياب مفهوم “الشفافية”.

والشفافية كما يعرّفها المتخصّصون “تقاسم المعلومات والتصرّف بطريقة مكشوفة؛ وإتاحة الفرصة لمن لهم مصلحة في شأنٍ ما أنْ يجمعوا معلومات حول هذا الشأن بقدر يكون له دور حاسم في الكشف عن المساوئ وفي حماية مصالحهم. وترتكز الشفافية على التدفق الحرّ للمعلومات. وهي تتيح للمعنيين بمصالح ما أنْ يطّلعوا مباشرة على العمليات، والمؤسسات، والمعلومات المرتبطة بهذه المصالح، وتوفّر لهم معلومات كافية تساعدهم على فهمها ومراقبتها”.

المشكلة الكبرى التي تحولت إلى أزمة في مرحلة لاحقة هي غياب عنصر الشفافية في أسواقنا المختلفة. في سوق المال هناك الكثير من الأمور غير المفهومة والمعلومات غير الدقيقة، كلٌّ يجتهد في تفسير ما يحدث، والكثيرون يشعروا بأنّ هناك أيادي خفية تمارس أدواراً غير نزيهة في السوق، حتى أنّ هذا السوق أصبح مثل النفق المظلم لا تدري ما يحدث بداخله ولكن كلّ الذي تراه هو نهاية النفق الذي يخرج منه معظم الناس وهم محمولون على نقالات. ماذا حدث وكيف حدث وماذا سيحدث؟ لا أحد يعرف!!

وفي سوق العقارات تتكرر نفس المأساة، يبدأ الترويج للمشروع، وتشرأب الأعناق، وتبدأ الأموال تتدفق من كلّ حدب وصوب، وفجأة يحدث أمرٌ غريبٌ غير مفهوم يعرقل كلّ شيء، وتبدأ الأحلام في التبخر رويداً رويداً. يبدأ الجميع في الاجتهاد لتحديد أسباب ما حدث. وفي النهاية لا أحد يعرف بالضبط ماذا حدث ولماذا حدث ولا ماذا سيحدث؟

للأسف الشديد في مجتمعاتنا العربية نحن نفتقد ثقافة الشفافية تماماً، وهذا دائماً ما يسبب لنا الكثير من المشكلات، وعلى الرغم من أنّنا في عصر الفضائيات والسماوات المفتوحة إلا أنّ السماء في أسواقنا لا يبدو منها سوى بعض الثقوب التي تسقط منها أشياء لاتسمن ولا تغني من جوع. الجهات المسئولة عن إدارة أسواقنا واقتصادنا مطلوب منها أنْ ترسي مبدأ الشفافية، وتلزم جميع المؤسسات والأفراد العاملين في الأسواق المختلفة بالالتزام بهذا المبدأ. يجب أنْ تعطي الجهات المسئولة درساً في كيفية تطبيق مبدأ الشفافية، وتفوّت الفرصة على الكثيرين الذين يلعبون في الظلام ويعبثون بمقدراتنا وبأحلامنا.

والشفافية يجب أنْ تعتمد على وجود أنظمة فعالة للرقابة، والمتابعة المستمرة التي تكفل تصحيح كلّ خطأ أو مواجهة كلّ تجاوز. إذا كنّا قد عقدنا العزم على قيادة التغيير في مجتمعنا فستظل الشفافية هي الطريق الرئيسي لتحقيق ما نصبو إليه، وفي الأزمة الراهنة ستظل الشفافية هي الطريق الرئيسي نحو الوصول بالمفقودين في عرض البحر إلى بر الأمان في جزر البندقية أو في أية جزر أخرى يأمنون فيها على حياتهم وعلى أحلامهم.

قد يعجبك أيضًا
من يصنع القائد..؟
العمالة المخالفة.. كفانا أوهام..!
الجودة في مؤسساتنا.. أطنان من الورق !!

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الادارةالمديرالموارد البشريةالنجاحترويج و اعلانتسويقريادة أعمالعمل المرأة