الرئيسية مقالات في الادارة

الإدارة العسكريّة

الحياة العسكريّة دائماً لها سمات خاصة، حيث الأوامر التي تهبط من أعلى إلى أسفل، والرضوخ الذي يقدّم من أسفل إلى أعلى. هيكل تنظيمي يحفظ لكلّ رتبة حقوقاً على الرتبة الأدنى، ويفرض واجبات على الرتبة الأدنى تجاه الرتبة الأعلى. تنظيم لا يتغير عبر مئات السنين، هناك قائد يأمر وجندي ينفذ، لا يوجد قائد يستشير جندي، ولا يوجد جندي يرشد قائد في أغلب الأحوال، هذه الحياة أيضاً تتميّز بالثبات إلى حد كبير. الجزاءات فيها أكثر من المكافآت، لا مجال للإبداع. العلاقات الإنسانيّة يختفي تأثيرها وأهميتها إلى حد كبير.

الحقيقة أنّ أسلوب الإدارة العسكريّة منتشر في الكثير من المؤسسات العسكريّة، ولا نبالغ إذا قلنا أنّه في العديد من الدول العربيّة يتبوأ العسكريّون مناصب إداريّة في كبرى المؤسسات المدنيّة الرسميّة. فهناك قناعة تسود حكومات هذه الدول أنّ النموذج العسكري في الإدارة مطلوب، وأنّ المدير العسكري يمتلك العديد من القدرات الخاصة التي تؤهله للنجاح في أي منصب إداري يتولاه، فهو رجل له هيبته، قوي الشكيمة، لديه قدرة على السيطرة، لديه القدرة على مواجهة الأزمات. وبالطبع لا ننكر أنّ الكثير من المفاهيم المستخدمة في علوم الإدارة الحديثة شقت طريقها من خلال الممارسات العسكريّة، مفهوم التخطيط  الاستراتيجي على سبيل المثل خرج من عباءة العسكريّة ليدخل مجال الأعمال والاقتصاد.

وهناك قادة عسكريّون أداروا مؤسسات رسميّة ونجحوا في تحقيق إنجازات كبيرة، لماذا؟ لأنّهم لم يقوموا بنقل النموذج العسكري في الإدارة بحذافيره ليطبقوه في المؤسسات الرسميّة المدنيّة التي يتولون قيادتها. لكن استلهموا من النموذج العسكري سمات معينة أساسية في تحقيق النجاح، مثل الحسم في اتخاذ القرارات، عدم السماح بالتهاون والتقصير المتعمد. تجميع المعلومات، دراسة أحوال الأعداء أو المنافسين. وربما يكون أهم سمة حرصوا على تطبيقها عندما تحملوا المسؤوليّة في المؤسسات المدنيّة أنّهم حريصون دائماً على التخطيط انطلاقاً من الواقع الميداني، حيث يوجهون مساعديهم للحصول على معلومات وافية بشأن ما يحدث في الميدان، ومن ثمّ تأتي قراراتهم واقعية ومؤثرة، فهو لم يتعود في حياته العسكريّة أنْ يخطط في مكتبه باستخدام الورقة والقلم، وأمامه فنجان من القهوة، ولافتة معلّقة على باب مكتبه مكتوب عليها “ممنوع الدخول المدير في حالة تخطيط”.

ولم ينسَ هؤلاء العسكريّون وهم يتولون دفّة القيادة في المؤسسات المدنيّة أنْ يتعاملوا مع الموظّف أو المرؤوس باعتباره إنساناً، وليس جندياً منفذاً للأوامر.

في المقابل هناك عسكريّون حملوا معهم زيّهم العسكريّ، ونياشينهم، وبنادقهم ليديروا مؤسسات مدنيّة بالحديد والنار، وبالطبع الهزيمة المشينة تلحق بهم ويخرجون من الميدان غير مأسوف عليهم. أيضاً هناك مديرون في مؤسسات خاصة ورسميّة لم  يحترفوا الحياة العسكريّة، بل تخرّجوا في مدارس ومعاهد مدنيّة، ولكنّهم يبدوا أنّهم مغرمين بالإدارة العسكريّة، مغرمين بإعطاء الأوامر والتعليمات،  مغرمين بإنزال العقوبات والجزاءات، مغرمين بالسيطرة، ويسعدون جداً بانقياد الآخرين لهم، ويفخرون بأنّ مؤسساتهم يسودها الانضباط والالتزام، ولم يدركوا أنّ مؤسساتهم لم تعد مؤسسات، ولكن أصبحت ثكنات عسكريّة.

قد يعجبك أيضًا
العدالة أساس الإدارة
رسالة اعتذار لأسرتي..!
عزيزي المرشّح: فضلاً سوّق نفسك

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الادارةالمديرالموارد البشريةالنجاحترويج و اعلانتسويقريادة أعمالعمل المرأة