الرئيسية مقالات عامة مقالات في الادارة

إلى من يهمه الأمر .. مراكز التدريب الإداري تحتضر!

كل الشواهد تؤكد أن الواقع الحالي لمراكز التدريب الإداري في حاجة إلى وقفة ومراجعة متعمقة، الموقف المالي لتلك المراكز في تراجع مستمر وانخفاض الإيرادات تسبب في خروج كثير من المراكز من السوق حتى وإن كانت قائمة على الورق .. تضافر عديد من العوامل التي أسهمت في وصول مراكز التدريب الإداري إلى هذه الحالة البائسة، عوامل خارجة عن إرادة تلك المراكز، وعوامل أخرى من صنيعها الخالص. 

نقطة البداية في تدهور أوضاع مراكز التدريب الإداري تمثلت في عدم الفصل أو التمييز بين التدريب الإداري وبين المجالات الأخرى من التدريب (فني، تطوير ذات، اجتماعي نفسي… إلخ)، ومن ثم لم تتمكن الجهات الرسمية من تصميم وتفعيل استراتيجيات خاصة لدعم مراكز التدريب الإداري, على اعتبار أن للتدريب الإداري طبيعته ووسائله وأهدافه ومدخلاته الخاصة. فالتدريب في مجالات (التسويق، المالية، المشتريات، الموارد البشرية، إدارة الإنتاج، نظم المعلومات الإدارية) يختلف حتماً عن تدريب بناء الشخصية وتطوير الذات والتربية الأسرية والاجتماعية. والاختلاف يبرز في مكونات التدريب وتكلفته وطبيعة وخصائص المتدرب ومؤهلات وخبرات المدرب وحجم وطبيعة وخصائص الأسواق المستهدفة. الأمر الثاني يتعلق بأوضاع ومعطيات الأسواق التي تعمل فيها وتستهدفها مراكز التدريب الإداري. هناك طريقان تسلكهما مراكز التدريب لتسويق برامجها التدريبية، الطريق الأول يتجه ناحية المستهلك الفردي مباشرة, وهو كل مستهلك لديه رغبة في تطوير مهاراته المهنية والإدارية. هذا الطريق أصبح مسدوداً قبل أن يتم تعبيده، والسبب هو المراكز المعنية بتقديم برامج تطوير الذات والبرمجة العصبية والنفسية والذهنية والبرامج الاجتماعية.. إلخ، تسببت هذه المراكز وهذه البرامج في إلحاق ضرر بالغ بمراكز التدريب الإداري، لم يفصل المستهلك الفردي وهو مستهدف من مراكز التدريب الإداري بين برامج تطوير الذات وبرامج التدريب الإداري، فقد تعود على الالتحاق ببرنامج في تطوير الذات بقيمة لا تزيد على 400 ريال ومن ثم فهو يبدي اعتراضاً واضحاً على أسعار أي برنامج تدريب إداري التي تزيد عادة على 1200 ريال، هذا المستهلك لا يعلم أن مدخلات التدريب مختلفة في الحالتين (المدرب، المتدرب، المادة العلمية، أساليب التدريب). ليس هذا فقط بل دعونا نعترف بأن معظم برامج تطوير الذات والبرمجة العصبية صنعت صورة ذهنية سلبية عن صناعة التدريب بأكملها، ولم لا ونحن نشاهد أشخاصا يجتهدون فقط في استخدام لغة الجسد والنقل الأعمى لمعرفة أجنبية لا ترتبط بشخصية وثقافة الإنسان العربي، وفي النهاية يخرج المشارك خالي الوفاض سوى من كلمات ”طق حنك” لا تسمن ولا تغني من جوع. الطريق الثاني الذي تسلكه مراكز التدريب الإداري هو تسويق البرامج على الشركات والمؤسسات بنظام البرامج العامة والتعاقدية، وهذا الطريق فيه كثير من المطبات والحواجز، درجت بعض الشركات والمؤسسات على التعاقد المباشر مع المدربين لتخفيض تكاليف التعامل مع مراكز تدريب، أسست شركات ومؤسسات أخرى إدارات تدريب ولديها مدربون يصممون ويقدمون برامج التدريب داخلياً ويستعينوا بمراكز التدريب أو مدربين خارجيين في أضيق الحدود. شركات ومؤسسات ترصد ميزانيات تدريب مرتفعة وقد درجت على التعامل مع مراكز تدريب بعينها وليست على استعداد لتحمل تكلفة التغيير، وبالتالي يستحوذ مركز أو اثنان أو ثلاثة على معظم الكعكة ويتصبر الآخرون بالفتات، شركات ومؤسسات تشكل الشريحة الأكبر ليس لديها توجهات نحو التدريب وتصم آذانها وأسماعها عن أحاديث التنمية والتطوير. وتظل شريحة الشركات الكبرى مثل ”أرامكو” و”سابك” و”الكهرباء” و”الاتصالات” هي الحلم والطموح الأكبر لمراكز التدريب الإداري (هناك مقولة شائعة ”إذا لم تتعامل مع مجال التدريب مع ”أرامكو” و”سابك” و”الاتصالات” فأنت لم تعمل في التدريب، وإذا تعاملت فقط مع ”أرامكو” و”سابك” وفاك وكفاك” ).. ولكن طريق الوصول لهؤلاء العملاء العظام الأثرياء صعب وشاق وملبد بالقواعد والشروط والمعايير الموضوعية وغير الموضوعية التي تعجز مراكز التدريب الجديدة والصغيرة عن الوفاء بها.. وتتبقى الوزارات والهيئات الحكومية التي يفي معهد الإدارة العامة بمعظم احتياجاتها في مجال التدريب الإداري. وتأتي الأزمة الاقتصادية لتضاعف من آلام مراكز التدريب الإداري، حيث قام كثير من الشركات بتخفيض ميزانية التدريب تجاوباًَ مع التوجهات المتعددة نحو تخفيض النفقات لمواجهة الأزمة.

ألا تتحمل مراكز التدريب الإداري المسؤولية فيما آلت إليه من أوضاع سيئة؟  بالطبع .. نعم هناك قصور إداري وتسويقي واضح في أداء تلك المراكز، الإبداع غائب عن مخرجات مراكز التدريب الإداري ونظرة واحدة للخطط التدريبية لجميع مراكز التدريب الإداري توضح أن البرامج متشابهة ونمطية ولم تتغير منذ سنوات طويلة، استعانة كثير من المراكز بمدربين غير مؤهلين علمياً ومهنياً لممارسة التدريب الإداري يحملون شهادات من دكاكين أجنبية تبيع الشهادات كما تبيع أدوات التجميل والزينة، عدم تقديم أية خدمات متميزة تساعد الشركات والمؤسسات على تفعيل نتائج التدريب في بيئة العمل، عدم تقديم برامج موجهة باحتياجات الشركات والمؤسسات وتتعامل مع خصائصها وواقع عملها. عدم اتباع استراتيجيات تسويقية فاعلة لتسويق التدريب الإداري وتنقية الصورة الذهنية المتعلقة بهذا المجال، التركيز فقط على تحقيق العائد المادي وعدم الاهتمام بدراسة درجة رضا العميل ومدى تحققه من عدمه… إلخ. والواقع يؤكد أن هناك مراكز تدريب إداري بدأت تتعامل بمنطق السوق الذي يثمن كثيراً العلاقات الشخصية وتبادل المنافع، ومن الطبيعي جداً في هذه السوق أن تجد مراكز تستمر لأنها تدير شبكة من العلاقات الشخصية مع متخذي القرار في الشركات والمؤسسات في حين أن منتجاتها التدريبية ذات جودة متوسطة أو ضعيفة في أغلبية الأحيان. كل هذه المعطيات والظروف جعلت مراكز التدريب الإداري تتساقط الواحد تلو الآخر، ولإنقاذ البقية الباقية منها نرجو من الجهات الرسمية المسؤولة بالمشاركة مع ملاك ومديري مراكز التدريب الإداري البحث عن حلول، وربما تفيد التساؤلات التالية في الوصول إلى حلول فاعلة:

ـ  هل هناك فرص لتوزيع عدد من برامج التدريب الإداري المقدمة للجهات الحكومية على مراكز التدريب الإداري الأهلية بما يسهم في دعمها واستمراريتها؟

ـ ما احتياجات مراكز التدريب الإداري من المدربين والإداريين والموظفين حتى تتمكن تلك المراكز من النمو والاستمرارية؟ وكيف يمكن دعم تلك المراكز في توفير العنصر البشري المتميز في هذا المجال؟

ـ هل هناك مجال  للسماح لمراكز التدريب الإداري بممارسة أنشطة مرتبطة بمجال عملها وبقدراتها البشرية والمهنية (مثل تقديم الاستشارات الإدارية أو البرامج التعليمية)؟

ـ هل يمكن أن تمارس الجهات الرسمية دوراً داعماً في حث وتوجيه الشركات والمؤسسات نحو تنمية استثماراتها في مجال التدريب الإداري وتنمية مهارات العنصر البشري؟ وهل يمكن أن يكون هناك إلزام للشركات والمؤسسات بتدريب منسوبيها ومن ثم توجيههم نحو طلب الخدمة من مراكز التدريب الإداري؟

القضية في منتهى الأهمية وفي حاجة إلى تدخل سريع من الجهات الرسمية والمختصة للتعامل مع حالة عشوائية غريبة تتمثل في أسواق لديها احتياجات مكثفة ومتنوعة ومتنامية في التدريب الإداري .. ومراكز تدريب تعاني الركود والسقوط.

قد يعجبك أيضًا
شيء غريب …!
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون
مؤسسة مدمنة للشكليات..!

أكتب تعليق

تعليقك*

اسمك *
موقعك الإلكتروني

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الادارةالمديرالموارد البشريةالنجاحترويج و اعلانتسويقريادة أعمالعمل المرأة